محمد متولي الشعراوي
475
تفسير الشعراوي
القرآن الكريم بقوله لهم : « فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » . . سكتوا ولم يجيبوا . . ولو تمنوا الموت لا نقطع نفس الواحد منهم وهو يبلع ريقه فماتوا جميعا . . قد يقول قائل وهل التمني باللسان ؟ ربما تمنوا بالقلب . . نقول ما هو التمني ؟ نقول إن التمني هو أن تقول لشئ محبوب عندك ليته يحدث فهو قول . . وهب أنه عمل قلبي فلو أنهم تمنوا بقلوبهم لأطلع اللّه عليها وأماتهم في الحال . . ولكن ما دام الحق تبارك وتعالى قال : « وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً » . . فهم لن يتمنوه سواء كان باللسان أو بالقلب . . لأن الادعاء منهم بأن لهم الجنة عند اللّه خالصة أشبه بقولهم الذي يرويه لنا القرآن في قوله سبحانه : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) ( سورة البقرة ) وقوله تعالى : « بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ » . . أي ان أعمالهم السيئة تجعلهم يخافون الموت . . أما صاحب الأعمال الصالحة فهو يسعد بالموت . . ولذلك نسمع ان فلانا حين مات كان وجهه أشبه بالبدر لأن عمله صالح . . فساعة الموت يعرف فيها الإنسان يقينا انه ميت . . فالإنسان إذا مرض يأمل في الشفاء ويستبعد الموت . . ولكن ساعة الغرغرة يتأكد الإنسان انه ميت ويستعرض حياته في شريط عاجل . . فإن كان عمله صالحا تنبسط أساريره ويفرح لأنه سينعم في الآخرة نعيما خالدا . . لأنه في هذه الساعة والروح تغادر الجسد يعرف الإنسان مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار . . وتتسلمه إما ملائكة الرحمة وإما ملائكة العذاب . . فالذي أطاع اللّه يستبشر بملائكة الرحمة . . والذي عصى وفعل ما يغضب اللّه يستعرض شريط أعماله . . فيجده شريط سوء وهو مقبل على اللّه . . وليست هناك فرصة للتوبة أو لتغيير أعماله . . عندما يرى مصيره إلى النار تنقبض أساريره وتقبض روحه على هذه الهيئة . . فيقال فلان مات وهو أسود الوجه منقبض الأسارير . إذن فالذي أساء في دنياه لا يتمنى الموت أبدا . . أما صاحب العمل الصالح فإنه يستبشر بلقاء اللّه .